أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
226
العقد الفريد
ووهبت لي ذنبها ، واسمعي مني فأنا الذي أقول : خذي بيدي من الحزن الطويل * فقد يعفو الخليل عن الخليل أسأت فأجملي تفديك نفسي * فما يأتي الجميل سوى الجميل فقالت : قد فعلت وصفحت عن زلّتها « 1 » ؛ ثم قالت : يا أبا إسحاق ، ما لي أراك بهذه الهيئة الرثة والبزّة الخلقة ! فقلت : يا مولاتي ، تعدّى عليّ الدهر ، ولم ينصفني الزمان ، وجفاني الاخوان ، وكسدت بضاعتي . فقالت : عزّ عليّ ذلك وأومأت « 2 » إلى الأخرى ؛ فضربت بيدها على كمها ، فسلّت دملجا « 3 » من ساعدها ، ثم ثنت باليد الأخرى ، فسلت منها دملجا آخر ؛ فقالت : يا أبا إسحاق ، خذ هذا واقعد على الباب مكانك وانتظر الجارية حتى تأتيك . ثم قالت : يا جارية ، سكن المطر ؟ قالت : نعم . فقامتا ، وخرجت وقعدت مكاني ؛ فما شعرت إلا والجارية قد وافت بمنديل فيه خمسة أثواب وصرّة فيها ألف درهم ؛ وقالت : تقول لك مولاتي : أنفق هذه ، فإذا احتجت فصر إلينا حتى نزيدك إن شاء اللّه ! فأخذت ذلك وقمت وقلت في نفسي : إن ذهبت بالدملجين إلى امرأتي ، قالت : هذا لبناتي ، وكابرتني عليهما ؛ فدخلت السوق فبعتهما بخمسين دينارا وأقبلت ؛ فلما فتحت الباب صاحت امرأتي وقالت : قد جئت أيضا بشؤمك ! فطرحت الدنانير والدراهم بين يديها والثياب ؛ فقالت : من أين هذا ؟ قلت : من الذي تشاءمت به وزعمت أنه بضاعتي التي لا تجدي ! فقالت : قد كانت عندي في غاية الشؤم ، وهي اليوم في غاية البركة ! نوادر من الشعر المأمون وابن الجهم قال المأمون لمحمد بن الجهم : أنشدني بيتا أوله ذم وآخره مدح ؛ أولّك به كورة . فأنشده :
--> ( 1 ) الزلّة : الهفوة . ( 2 ) أومأت : أشارت بيدها . ( 3 ) الدملج : السوار يحيط بالعضد .